ساحة حرة
الجمعة 29 مايو 2020 04:13 مساءً

عدن.. زمن طلابي لا ينسى ولا يعاد!

ماجد الداعري

كنا نجتمع خمسة إلى سبعة وأحيانا ثمانية طلاب في الصحافة والاعلام بجامعة عدن بين الأعوام ٢٠٠٣ - ٢٠٠٦ ونفترق من ٥٠ ريال يمني فقط لنتشارك في وجبة صبوح او غداء جماعي والبعض كان يتعلق بيننا بدون ما يدفع وبخبرك همسا بكل حياء:عبرني اليوم ما في معي مصاريف.. وترد عليه: أبشر وأنا أخوك.

وكنا فوق هذا نذهب بعدها لسوق القات بخور مكسر ونطلب ثلث حبة قطل ولو دينا، من زميلنا بالدفعة سيف الخطيب مع تخفيض الزمالة ب٥٠ او ٧٠ او حتى ٩٠ريالا وترجع تدور لك حجر او نصف حبة بردين ودبة ماء وتدكي على الساحل او رصيف أقرب شارع وتفتح الملزمة او الكتاب وتذاكر على كيفك ومعنوياتك عالية "فل اوبشن"، ان صح التعبير، وتدخل الاختبار او الامتحان وتحصد نتيجة محترمة رغم كل عوامل الظلم والاجحاف المحبطة، وغياب أي منهج تعليمي وتطبيقي أو معايير تقدير أكاديمية حقيقية لمستوى الطلاب عند أكثر دكاترة قسم الإعلام بجامعة عدن وغيرها من كليات الإعلام ببقية الجامعات اليمنية مع الأسف، بدليل غياب اي حضور اعلامي او صحفي على الساحة لمن تم تصنيفهم كأوائل وفق معايير تقييم شفط الملازم التي عفى عليها الزمن او كتب بغض المدرسين التي لا تغني ولأتسمن من جوع وإنما تعكس ردائه العقلية التي انتجت هذا الهراء وتعتبر مثل تلك التوليفات العقيمة المسروقة من هنا وهناك، منهجا اكاديميا .

وكنا بعون الله تعالى، أيضا، نكافح ونعمل وندرس في وقت واحد، ولا نقبل لليأس مكانا، أو نؤمن بكل الصعوبات المتعلقة بعراقيل تحطيم المعنويات، وتمكنا بفضل الله وتوفيقه ان نلتحق بفرص عمل قبل ان نكمل دراستنا ونستخرج شهادات تخرجنا، وتنقلت والحمد لله انا والعديد من زملائي من (غير الأوائل) طبعا من وسيلة وصحيفة وموقع إلى آخر، وماتزال فرص عمل تنهال على بعضنا إلى اليوم، وصولا إلى تأسيس بعضنا مواقع وصحف ومشاريع خاصة به، بينما بقى الكثير من زملائنا الأوائل يبحثون عن فرص عمل إلى اليوم، وطبعا وللإنصاف، ليس بالضرورة لعدم قدرتهم على العمل والتعلم وتطوير قدراتهم كغيرهم، وإنما لخدعاهم لأنفسهم بأن مراتبهم الأولى تكفي وتشفع لهم للحصول على وظيفة حكومية تلحقهم بأي مؤسسة إعلامية للدولة او درجة معيد بالكلية، ولغياب أي توجه صحفي او هواية إعلامية حقيقية لدى الأكثرية منهم ومحدودية طموح بعضهم كذلك .

والمهم كانت تمر الأيام علينا سريعا تارة، وثقيلة جدا، تارات أخرى، في ظل الالتزام القسري بسياسة التقشف والصبر والتحمل، نتيجة غياب ومحدودية المساعدة المالية لدى الكثير منا واعتماد اغلبيتنا، على أنفسنا وعملنا كمراسلين ومتعاونين ومساهمين احيانا مع بعض المواقع والصحف، بل ومقاوتة وحراسات أمنية احيانا مع أحبتنا الصبيحة في بعض الأحواش والشركات والعمارات الغيرجاهزة، ولا بأس بالتعلق مع زميل يعزك للعمل معه بمقابل نفقات يومك في بيع عطور ولبن عصفور وادوات تجميل نسائية او حتى ملابس داخلية احيانا، أو خطاط متجول بشارع الحب لكتابة اسماء حسب الطلب بمجسم خشبي على هيئة قلب اذا ما اضطريت للعمل احيانا حتى كمسجل اسماء مرضى لدى دكتور يعزك، وتأتي فجأة إحدى زميلاتك بالكلية وتفاجأك بصوتها وهي تسألك من خلف البرقع انت فلان... الطالب معنا بالصحافة والإيلام.. وتهز رأسك مصدوما بخجل واستحياء ممن حولك، وانت محتار متردد في الرد عليها والإقرار بهويتك رغم محاولتك إنكار ذاتك حينها لولا يقينك انك لن تقنعها بأنك لست انت، وإن اضطريت لترك دفتر التسجيل والتفحيط من العيادة هاربا كملاحق أمنيا.

ولعل كل هذا الواقع الذي عشناه حقيقة، كان، دليلا أيضا على اصرارنا على مواصلة تعليمنا وحسن تدبيرنا وعلاقتنا مع بعضنا البعض ولو وصل إلى حد اكتفاءنا أكثر أيامنا، بوجبتين بسيطتين إلى وجبة غداء واحدة في اليوم فقط احيانا، عبارة عن نص عصيد أو رز ابيض مع ملحقات بسيطة من سلطة وسحاوق، بسبعين ريال، وإن نزلت ليلة البركة زدتها في العشاء واحد خبز طاوة مع واحد أحمر ب٢٠ريالا ومحاضرة عقابية على ضرورة التقشف وانت تعود مشيا على الأقدام إلى حوش مبيتك لتلك الليلة المباركة.

والأهم أنك تمشي وتضحك وتقرأ وتذاكر بكل اريحية وقناعة وسعادة لا تقارن، بل تشعر انك ملكت الدنيا وانت متكئ على ربع كرتون وحجر بردين أمام ساحل أبين تلوك قطل قات نصف أوراقه محروقة وبدون حتى ان تغسله وتشعر انك ملك زمانك وكل من أمامك يلهون في الساحل جندك وخدمك و ما ملكت يمينك وحراسات أمنية لحمايتك حتى آخر عود في الكيس الذي تسمح له بعدها ان يطير مع الريح لتعلن لنفسك إنتهاء جلسة الملك وبدء مرحلة البحث عن واحد خبز أو حتى شاهي حليب على الاقل بعد تلك التخديرة الملكية التي لم ولن تجد حلاوة احساسها اليوم لو دفعت مقابل تخزينة قات مائة ألف وقعدت على حرير واستبرق هناك ،كما أخبرني بذلك قبل أيام، أوفى رفاق الدرب التعيس عماد الديني.رئيس مؤسسة مراقبون للإعلام المستقل ورئيس تحرير صحيفة أخبار حضرموت والذي قضى نصف ايام دراستنا الجامعية طالبا مزدوجا في معهد امديست للغات وكسب الاختين معا قبل ان يتزوج بعدها باثنتين أيضا،

وانا مشغول بمكارحة صديق نشوان شبه سكران على جواز التعدد من عدمه، وكافر بما ملكت أيمانكم.

الخلاصة والأهم أحبتي الأعزاء ان عليكم ان تدركوا يقينا اننا نحن من يخلق السعادة حولنا ببساطة تعاملنا مع الحياة وقناعاتنا المطلقة بعدالة الله وليس للسعادة وراحة البال علاقة اطلاقا بما نملك ولا بحجم دخلنا او مرتبنا الشهري وطبيعة وظيفتتا ولا بنوعية ما نؤكل ونشرب ونخزن اطلاقا لأننا أضفنا اليوم ثلاثة اصفار إلى ماكنا نصرفه على اكلنا وشربنا ولم نجد والله اي سعادة وراحة بال من تلك التي كنا نعيشها ونشعر بها يومنا، بل صار الواحد منا يتنقل بين ثلاث إلى خمس أماكن بعدن باليوم بحثا عن موضع استقرار لقضاء ساعات نهاره وعلى أمل أن بجد بعض راحة الزمن الجميل الذي كنا نعيشه في معشوقتنا الأبدية عدن المصابة اليوم بكل الكوارث و العاهات شفاها الله وانقذ اهلها مما هم فيه، ولا سامح او رحم كل من كان وراء ايصالها إلى ماهي عليه من وضع مأساوي كارثي غير مسبوق في تاريخها وواقع مميت ومرعب للعالم أجمع.

وعسانا من عودة أيها الرفاق إلى ماضينا الطلابي الأجمل، مع المعذرة لكل الرفيقات طبعا وللجميع عن اغفال اي تفاصيل أخرى قد تذكر في منشور آخر إن امهلتنا الأقدار لذلك.

#عدن_محطات_وذكريات_لا_تنسى

الصورة من اليمين لاخوكم ماجد الداعري، وسيم شميس، خالد سرور ، محمد سعدالدين سعد علي سعد ، اكرم المصفري وفائد دحان ، وفي الامام بالأحمر اياد البحيري وهي بعدسة الزميل مرزوق ياسين.


  
جميع الحقوق محفوظة لـ [عدن الغد] ©2020